|
بينما يحدث في بغداد؟
قاسم حول
(الكاتب جلال نعيم .. تولد بغداد 1968 درس الأدب واللغة الأسبانية في جامعة بغداد له (اليوم الأخير للمطر) قصص – دار ألواح مدريد 1998 له ترجمات عن الأسبانية والإنكليزية يكتب في الشعر والنقد والسيناريو السينمائي يقيم في الولايات المتحدة منذ 1999 يعمل سائق تاكسي في لوس إنجلس حاليا، ويعتقد بأنها أجمل مهنة في العالم). هكذا يقدم جلال نعيم نفسه في غلاف الكتاب المعنون (بينما يحدث في بغداد الآن؟) لا يصح القول هل الموهبة سبقت المهنة أم المهنة سبقت الموهبة عندما تقرأ قصة ليزا وأخواتها عن زبونته الدائمة ليزا التي ينقلها إلى لاس فيجاس في سيارته التاكسي. فالموهبة ليس فقط تسبق المهنة بل هي سبقت الوجود وبدونها ما كانت الحياة أن تكون. لم أسمع بإسمه قبل أن تصلني حكاياته في هذا الكتاب، وهذا ليس ذنبي ولم يكن ذنبه ومن الصعب أن نقول ذنب الوطن فقد علمونا أن نقول (وطني دائما على حق) ولذلك عشنا مسلوبي الحقوق، ومن الحقوق التي سلبت مني الوثيقة، فصرت دائم البحث عن وثيقة سفر وهوية إقامة وبلد يقبلني ضيفا أو مواطنا فيه حتى إني لم أسمع بإسم جلال نعيم أو غيره من الجيل الذي جاء بعدنا. هناك أسماء تبدو وكأنها أسماء مستعارة لكثر ما هي منسجمة مع ذاتها، ولا أدري إن كانت المصادفة هي التي ترتب الأسماء المنسجمة أم أن آباءنا يبحثون عن هذا الهارموني عند الولادة عسى أن يسلك الإسم بضرورة معناه دروب المحبة والإبداع، أو أن يدرك الشخص عندما يكبر في الحياة أن إسمه لا يسمح له بأن يبدو سيئا أو مثيرا للشبهات. وجلال نعيم تكوين لا خيار له غير الإحساس بالأشياء والتعبير عنها بحكاية بقصة بسيناريو قد يتألق يوما على الشاشة وتبدأ وسائل الإعلام بالحديث عن سائق التاكسي الذي أصبح نجما، وربما لن يتخلى عن مهنته حتى في أشد حالة التألق والرفاهية .. هكذا أشعر وأنا أقرأ في بطاقته (يعمل سائق تاكسي في لوس أنجلس حاليا، ويعتقد بأنها أجمل مهنة في العالم) كان لابد لسائق التاكسي هذا أن يغادر وطنه فهو لم يغادر وطنه لأن السيارات صارت مليئة بالمفخخات ولكنه غادر وطنه لأنه يحب الكتابة لأنه يحب وطنه، أو يحب وطنه لأنه يحب الكتابة، فيحمل الإنسان وطنه في جيبه ويغلق عليه (بالساحب) حتى لا لا يمد اللصوص أيديهم ويسرقون الوطن، فخاف عليه وهاجر نحو الولايات المتحدة الأمريكية التي جاءت لتنقذ الوطن من الدكتاتور فخلصت العراق من الدكتاتور حقا ولكنه في ذات الوقت خلصت الوطن من جلال نعيم. وجلال نعيم موهبة حقيقية، أعجبتني قصصه كلها ولكل منها مذاق خاص وهو يتعرف على شخصيات أمريكية أو تعيش في أمريكا من خلال مهنته وهو بحد ذاته موضوع ظريف ومثير للكتابة والقراءة ولعل قصة ليزا وأخواتها أكثر الحكايات إثارة ووضوحا في شخصياتها مع أن كل شخصيات قصصه هي مرئية وواضحة لأنها حقيقية. في قصصه كان جريئا في التعبير ربما لأنه تحرر من الخوف في العراق الذي ضمه في جيبه فأخذه معه ورحل خوفا عليه من اللصوص. قصته الأولى في المجموعة هدوء القمر هي في بغداد وعن بغداد حيث الموت بالصدفة وحيث تكثر المصادفات بل تصبح قاعدة وليست إستثناء كما تشخصها قوانين الدراما. طبع الكتاب في أسبانيا في دار النشر العراقية (ألواح) التي تصدر للعراقيين في منافيهم. ودار ألواح ليست وحدها التي تأسست مع الهجرات منذ سنوات طويلة بل هناك الكثير من دور النشر التي أسسها العراقيون لأنفسهم بعد أن عزفت دور النشر في فترة ما من قبول نتاجات العراقيين الذين رفضوا القمع وتكبيل حرية التعبير وذلك لمنفعة الكثير من دور النشر من مؤسسات النظام الدكتاتوري في العراق. وكان تأسيس دور نشر محدودة القدرات في التوزيع، لكنه حلا عمليا للكاتب حيث تطبع دار النشر بضعة مئات من المطبوع وتهديها لكاتبها الذي يتولى بدوره عملية التوزيع على الصحف والكتاب والنقاد والأصدقاء ويحمل عشرات منها كلما إقيمت ندوة أو إنعقد مؤتمر. تحصل احيانا دور النشر على دعم من بلديات أو مؤسسات الثقافة في أوربا. ليزا وأخواتها (شفت حبيبي .. وفرحت معاه .. ده الوصل جميل .. حلو يا محلاه .. أدندن معه بينما يرن هاتفي النقال، هي رنة ليزا الخاصة، سأرفع الهاتف وتسألني أين أنت كعادتها، وكعادتي سأكذب عليها مثل أي سائق تاكسي أحترف الإثنين، سأقول بأنني على بعد ربع ساعة منها، كي تنتظرني ولا تلجأ إلى تاكسي أخرى .. وسأصل إليها بعد ثلاثة أرباع الساعة أو أكثر وسألون الزحام الذي يتخم هذه المدينة من شمالها إلى جنوبها. هذا يحدث غالبا، ومع الزبائن الخاصين تحديدا، وهو ما لم يحدث معها سابقا، فقد تغيرت مواعيد إتصالاتها هذا الشهر فجأة، وبعد أن كانت تتصل مساء كل إثنين، باتت تتصل بأوقات مختلفة رغم أنها ما زالت تحتفظ بعملها نفسه كمعينة في دار للعجزة، وتعمل سبعة أيام في الأسبوع ولأربع وعشرين ساعة في اليوم، فلا يتبقى لها غير ساعات تسترقها لتتصل بي لأقلها إلى كازينو قمار تعلب فيه البوكر لتخسر ثم تربح ثم تخسر ثم تربح ويندر أن تغادر وفي جيبها دولارا واحدا. أما أجرتي ومن ضمنها أجرة الإنتظار الذي أقضيه في القراءة غالبا، فأستحصلها في اليوم التالي أو في الرحلة القادمة. ها أنذا أركن سيارتي حيث تقف، بعد خمسة وخمسين دقيقة فقط. قلت ربع ساعة. قلت ربع ساعة أو أكثر يا ليزا .. تعرفين بأن لا أحد في هذه المدينة يمكنه التكهن بالوقت الذي يمكن أن يصل فيه إلى أي مكان.)
تبدأ رحلة سائق التاكسي .. رحلة الكاتب مع ليزا فتنكشف أمامنا عوالم مثيرة للتأمل لإكتشاف الذات وإكتشاف الخفي، عوالم الإنسان، الذي نعرفه ونعرفها أو التي لا نعرفه ولا نعرفها، ليس سوى عبر الفن والأدب والرؤية الواعية ومشاهدة الأشياء بعين الرؤية الواعية والحس المرهف. والأجمل من كل هذا عدم الخوف من قول الأشياء كما هي وبلغتها .. أهو موقف التمرد على المألوف أم هي الواقعية التي يخاف منها الكتاب ويعمدون على دفنها حية. جلال نعيم لا يفتعل المكان والحدث حتى يقول ما لا يمكن أن يقال لكن الواقع هو هكذا يمر عليه يراه يتحدث عنه لا يرفضه ولا يقبله ولا ينقده بل الواقع نفسه ينعكس على المادة السليلودية للإنسان فيحدث إنعكاسا ولأن سيللود الإنسان هو غير طبقة الفيلم الحساس السليلويدية فأن إنعكاسها لا يكون واقعيا بالمعنى الفوتوغرافي للكلمة. بينما يحدث في بغداد الآن
هذا العبارة هي ملصق صغير يضعه الأمريكيون على مؤخرات سياراتهم للتذكير بما يجري في العراق. وكان هذا الملصق موجود ربما على سيارة التاكسي التي تمتلك الكاتب في حنينها وتعطيه الحرية والخبز وتكشف له عوالم الحكايات التي قد يتألق فيها يوما. (كثيرة هي الأشياء التي لا تفكر فيها وأنت تقود سيارتك في صباح لوس أنجلوسي لذيذ، حتى بعد أن تؤرث سيكارة أخرى، وأنت تحاول أن تضيء الجوانب المعتمة في دماغك بأنوار حمراء وأخرى وردية تجنح لهدوء لم تألفه منذ زمان. تضغط دواسة البنزين لتخترق الطريق السريع لينقلك من مدينة إلى أخرى بسرعة أكبر. بيفرلي هيلز التي غادرتها توا، تبدو أشبه بشجرة عيد ميلاد مضاءة ناعمة ومشذبة وكتومة على أسرارها التي بت منذ الليلة، تمتلك أحدها. سانتا مونيكا تمتد أمامك وقد غادرت بهجة ضجيجها، طردت سائحيها إلى غرفهم وراحت تنام مع مشرديها الدائمين، وهم يحتضنون أرصفتها وكأنهم يرضعون ما تبقى لهم من حرية وقرار متواصل. كثيرة هي الأشياء التي لا تعبأ بها وأنت تقود سيارتك في صباح يوم أحد لوس أنجلوسي عذب. البار المنطفئ إلى يسارك شهد ليال أخرى، قد تكون أكثر عذوبة ولكنها ربما كانت أقل عصفا من ليلتك التي لم تنم فيها هذه، فرحت تذرع الشوارع بسيارتك وكأنك تتنشق عذوبتها لأول مرة. هل كانت آشلي أم هو رايان اليهودي الطيب كما تسميه مع نفسك واللعين كما يلذ لك أن تناديه. لا مفر. إتصل بي الليلة بعد غياب بلا سبب، هكذا وكأنه فارقني قبل ساعات لا أكثر. وقبل أن أطلق منبه سيارتي خرج لي راكضا ....) أن يتمتع سائق التاكسي وهو الكاتب بكل تفاصيل الأشياء التي يراها وهو في مهنته وفي محنته، فيرى دقائق الشبابيك والأضواء ويخزنها في ذاكرته ويحسها ويعمق الإحساس بها .. لا أدري متى يكتبها هل يأخذ أجازة للكتابة من زبائنه ليؤرخهم أم يكتب وريقات وهو ينتظر ليزا لتنهي فصل لعبة القمار حتى تخسر ما بجيبها وتعود إليه .. هي ليست مذكرات سائق تاكسي إنما ما جمعته (بينما يحدث الآن في بغداد) هي قصص لكاتب عراقي يعيش في المهجر إن صح التعبير فأمريكا هي مهجر وعند البعض هي حلم لأنها تجمع المتناقضات وتقدم الفرص في الروليت الحياتي، وهي وحكاياتها تختلج في ذات الكاتب الذي يحتفظ بوطن في جيب سترته المغلق بالساحب حتى لا يسرقه اللصوص. دور النشر العراقية في الغرب هي الحل المنصف والذي لا يخضع للرقابة العربية تجربة لا يزال جمهورها محدودا ودعمها هو الآخر محدود ولكن أن يتحول الإبداع إلى كتاب ويصبح في المتناول، فتلك نعمة قد لا تتوفر بمعنى الحرية حتى في أشد حالات التحرر مثالية مثل لبنان وسط عالم عربي رقيب. تحية لدار النشر في أسبانيا (ألواح) التي أتمنى أن تتفوق أكثر في طباعتها وفي إخراج المطبوعات حرفا وحجما وورقا حتى تعوض عن عدد المطبوع وتصبح ميزة جديرة بعراق ذي تأريخ تم الإتفاق على تهديمه لأسباب غير مكتشفة بعد. وتحية إلى المبدع جلال نعيم الذي يعتبر مهنة سائق التاكسي هي أجمل مهنة في العالم .. أكيد بعد الكتابة عندما تصبح الكتابة مهنة مثل مهنة كاتب السيناريو في قصته (Little Saddam) الذي يكتب حكاياته الكوميدية ويتقاضى عنها عشرين ألف دولار في الأسبوع (بينما يحدث في بغداد؟) سينمائي عراقي مقيم في هولندا Sununu@wanadoo.nl
|
|
|
|