|
مخاطر الإعلام المرئي على العراق
قاسم حول
إذا كانت الدولة العراقية قد أغلقت حدودها مع دول الجوار فإن سماءها مفتوحة لما هو أخطر من المفخخات ومواد التفجير والأسلحة الميدانية الثقيلة والخفيفة. بداية لا يد وأن نلقي نظرة شبه مدرسية على معنى الصورة المتحركة. إن تعبير الصورة المتحركة يكاد أن يكون تعبيرا مجازيا. فالصورة في حقيقتها لا تتحرك، بل هي ثابتة. وتتحرك الصورة فقط بعلاقتها بالعين بدليل أن الرسوم المتحركة هي مجرد رسوم ثابتة نحن نراها متحركة بسبب تتابع الصور المتنامية يفصل ما بينها الغالق في حركته بسرعة 24 وأحيانا 25 صورة في الثانية حيث تحتفظ العين بكل صورة بجزء يسير من الثانية وتتولف مع الصورة التي تليها فتشاهد الصور الثابتة متحركة ولهذه العلاقة الفسلجية تأثير فسلجي بالضرورة على المتلقي إضافة إلى التأثير النفسي والجمالي الحسي. وتخبرنا ملفات الأجهزة الأمنية والبوليسية في العالم عن جرائم كثيرة تمت بشكل متطابق مع مشاهد من الأفلام السينمائية أو البرامج التلفزيونية. وآخرها الطفل السعودي الذي شنق نفسه بنفس الطريقة التي شاهد بها عملية شنق الدكتاتور العراقي. ولا يقل الصوت في أهميته في التأثير عن الصورة بل يتفوق عليه حيث نحن نسمع بثلثمائة وستين درجة ومن جميع الإتجاهات فيما ننظر بدرجة مائة وثمانين درجة، وهنا يكمن السبب في أن الإنسان الذي يستمع إلى صوت مموسق أو مغنى فإنه يردده بدون شعور حتى وأن كانت الأغنية لا تروق له. وهنا يأتي السؤال كيف إذا إجتمعت هاتان الأداتان الصورة والصوت في مجال التأثير على المتلقي؟! لقد أسقطت أمريكا المنظومة الإشتراكية بمحطات الراديو، حيث لعبت دورا كبيرا في نجاح عملية إسقاط المنظومة الإشتراكية وطبعا فإن طبيعة النظام الشمولي وغياب الحريات قد خلق ألأرضية المناسبة للسقوط ولكن الراديو كان رمزا للحرب الباردة بين أمريكا والإتحاد السوفياتي التي نجحت فيها أمريكا في إنهيار المنظومة الإشتراكية. إن التأثير الفسلجي والنفسي للصورة والصوت هو مسألة علمية إستخدمت وتستخدم وسيتطور إستخدامها لتحقيق أغراض سياسية وإقتصادية بعيدة المدى ومرسومة بشكل دقيق من قبل أجهزة ومؤسسات دولية. ولعل ظاهرة تدني القيمة الجمالية لعرض الصورة والصوت هي الأخرى محسوب لها حساب بعيد المدى وشديد الخطورة.
الهجمة الفضائية المتابع للقنوات الفضائية يجد أن عدد الفضائيات تكاثر بشكل متسارع بعد سقوط نظام الدكتاتور العراقي وهذا الأمر مدعاة للتساؤل الكبير، سيما إذا ما عرفنا أن كلفة القنوات الفضائية ليست قليلة، وهذا يقودنا للبحث عمن يقف وراء تأسيس هذه القنوات الفضائية التي إزداد عددها على ثلثمائة قناة فضائية ولا نزال نرى عناوين جديدة على الشاشة حتى بات العثور على إسم تعنون فيه الفضائية نفسها أمرا عسيرا، لأن العناوين والأسماء قد إستنفذت أو تكاد. فلماذا هذا التسارع في نشوء الفضائيات بعد سقوط نظام الدكتاتور في العراق، ومن يمول هذه القنوات الفضائية وبهذه الميزانيات الكبيرة ولأي هدف؟! وإذا ما تجاوزنا الجانب النفسي والسيكولوجي على المتلقي فإن ثمة بعدا سياسيا وإقتصاديا تخريبيا يجري تنفيذه ضد الوطن العراقي من خلال وسائل الإعلام وفي المقدمة منها القنوات الفضائية. وثمة بعد آخر في عملية التخريب يكمن في القيمة الجمالية للفرد والمجتمع. هذا البعد له مخاطره الكبيرة التي ينبغي التوقف عندها لأنها تحقق أهدافا خطيرة على المدى البعيد. لقد كان النظام الشمولي البعثي في العراق يعمل على تثبث أسس جمالية تخريبية أطلقوا عليها (علم الجمال البعثي) كأيدلوجيا تقابل الإيديلوجية الشمولية الشيوعية. تلك القيم الجمالية البعثية هي إنعكاس ليس فقط لشمولية الإيديلوجيا البعثية بل هي إنعكاس لواقع أكثر بداوة يتمثل في شكل ومستوى القيم الجمالية للعائلة الحاكمة والشلة المحيطة بها.هي إنعكاس لسلوك إجتماعي متدن جدا يبحث ويريد أن يؤسس مجتمعا مشوها شبيها بالقيمة المشوهة للعائلة التي حكمت العراق ولعبت دورا خطيرا في تدني القيمة الإجتماعية للفرد والمجتمع العراقي. إن سلوك العائلة الحاكمة والحاشية المحيطة بها على سبيل المثال في إمتلاك بساتين النخيل والغرف والبارات التي في داخلها لإستعمالها لسهرات مجون ليلية يقاد لها عدد من الصبايا والصبية لممارسة الجنس والإغتصاب وأحيانا قتل الضحايا وسط أصوات وضجيج وحفلات المجون (وهذا ما صرح به بعض الهاربين من الإعلاميين أبان حكم الدكتاتور) هذا السلوك كان ينعكس على البرامج التلفزيونية والإذاعية. وينعكس على إلغاء برامج التعليم المتوارثة لإبدالها ببرامج ثقافة الحرب وعبادة الفرد. وإن إنتاج فيلم سينمائي عن أب قتل إبنه لأن الإبن هرب من جحيم الحرب، إنما هو تكريس لثقافة الحرب والموت في العراق. وكثيرا ما كان يرن جرس الهاتف في غرفة مدير التلفزيون ليتم إيقاف عرض برنامج أو فيلم السهرة ويعلن عن إيقاف العرض لأسباب فنية ويتم إستبداله بعرض لرقصات (الكاولية) البداوية والمتدنية في قيمتها الجمالية. تلك المكالمات كانت تأتي من حاشية رئيس الجمهورية وأحيانا من الرئيس نفسه الذين بإمكانهم إشباع رغباتهم المتدنية بعرض شريط فيديو داخل غرفهم في القصر الجمهوري، لكنهم كانوا يريدون تعميم هذه الثقافة المتدنية على المجتمع لكي يتساوى مع هذا الذوق المتدني كل عراقي مهما بلغ مستواه الثقافي أو حسه الجمالي.
إن تدني القيم الجمالية في وسائل الإعلام وفي المدارس والجامعات وفرض ثقافة متخلفة فكرا وعرضها في صيغة جمالية متخلفة جدا سواء في القيمة اللونية أو القيمة التشكيلية أو القيمة الصوتية، ينعكس بالضرورة على المجتمع وبشكل خاص على الجيل الناشئ الذي أغلقوا عليه أبواب المعرفة والسفر والتأريخ المتوارث لينشأ جيل مشوه وخائف ومحدود الرؤية للغد. هذا التدني في القيم الجمالية التي سادت وتسود المجتمع العراقي يخلق بالضرورة العلمية مجتمعا يصعب عليه التمييز بين الصح والخطأ، بين النور والظلام، بين الأسود والأبيض، ولا يمكنه الإرتقاء إلى مستوى القيمة الإنسانية فيتحول إلى مجتمع قطيعي لا يدرك سوى لغة الحرب والقتل والموت والبقاء حتى على جثث الأبرياء. هذا المجتمع يقبل الدكتاتورية نظاما بل ويهلل لها ويصفق لمستواها لأنه مجتمع متدن في الإحساس بقيم الجمال التي ترتقي بالإنسان إلى مستويات الخلق والإبداع. وقد نجحت الدكتاتورية في زرع ثقافة الموت والحرب والدم ولا تزال وستبقى لفترة من الزمن آثاراها ماثلة في المجتمع العراقي. وشعار (نموت) ليحيا الوطن هو شعار شمولي فاشل وتدميري وينبغي أن يحل محله شعار (نعيش) ليحيا الوطن. عندما سقطت الدكتاتورية سادت فوضى إعلامية داخل العراق لأن المحتل لم يكن يريد أن يحل نظام إعلامي حر ومسؤول بديلا عن نظام إعلامي شمولي مريض، كما أن المعارضين العراقيين الذين ساهموا في تغيير النظام كانوا هم أنفسهم غير مؤهلين لسياسة إعلامية ناضجة واعية وبديلة، بل أن الخطاب الإعلامي المعارض كان يخلو من الرؤية الإعلامية المستقبلية، ولهذا السبب سادت فوضى الإعلام وبشكل لا مثيل له أطلق عليه تبريرا مصطلح (حرية التعبير) وهو تعبير هروبي عن الإعلام العلمي القائم على أسس معرفية علمية مقوننة قائمة على دراسة واعية ومسؤولة لطبيعة المجتمع ودراسة عن مخاطر الإعلام التي إنشأتها الدكتاتورية وإيدلوجيتها البعثية الشمولية، وإقرار قانون متحضر في الإعلام وفي الثقافة ينظم ويراقب الأداء الإعلامي والثقافي ومن منطلق حر ومسؤول في حريته كما يحصل في البلدان المتطورة والديمقراطية والتي قطعت شوطا في هذا المجال. لقد أصبح تأسيس القنوات الفضائية العراقية مرتهنا فقط بالقدرة المالية للجهة المؤسسة لهذه للفضائية أو تلك، وليس رهينا بالقدرة العلمية والوطنية والكفاءة القادرة عن بناء مجتمع جديد خال من الأمراض النفسية والإجتماعية، مجتمع يبني وطنا حديثا سيما إذا ما كان هذا الوطن وطنا عراقيا يسبح على ثروات طبيعية هائلة ويحلق مزهوا في تأريخ غني بإبداعه منذ آلاف السنين. وإذا ما إفترضنا حسن النية في تأسيس الفضائيات القائمة على الإمكانات المادية لهذه الفئة أو تلك من فئات المجتمع العراقي السياسية فإن الأمر يصبح مجرد خلل في الأداء ويمكن معالجته، ولكن ما هو الحال إذا كان الهدف والسبب واعيا لتأسيس تلك الفضائيات على أساس تخريبي؟ سواء كان التخريب سياسيا أو إقتصاديا أو إرثيا وقائما على زرع النزاعات المذهبية أو العرقية لهذه الفئة أو تلك؟! هذا داخل العراق، فماذا عن الفضائيات التي تبث من خارج العراق وكلها تقريبا موجهة في برامجها وفي نشرات أخبارها نحو العراق مستهدفة تخريبه بشكل كامل وعلى شتى الصعد؟!. ونعود للسؤال، لماذا تكاثرت الفضائيات بهذه السرعة وكيف تحصل على الأموال التي يشكل الصعود على قمرين إصطناعيين وحده قرابة المليون دولار .. فكيف يصار إلى تغطية البرامج وكلفة الأجهزة التقنية ورواتب الحسناوات والمذيعين وشراء البرامج الجاهزة؟ إذا ما ألقينا نظرة فاحصة واعية لهذه الفضائيات فإننا نجدها وبدرجات متفاوتة من المستوى الفني والفكري تشكل حالة (قردية) سواء في تقليد بعضها أو في تقليد برامج إبتدعها الغرب تنسجم مع المستوى الثقافي والإيقاعي لمجتمعاتهم التي هي ليست مجتمعاتنا وهي إنعكاس لحياة مادية لها خصوصيتها ومشكلاتها وإيقاعها أيضا، فصار الإعلاميون العرب يستنسخون تلك البرامج بل عمدت بعض المحطات إلى شراء حقوق تلك البرامج لتنقلها بكادرها الفني لتنفيذ تلك البرامج وتقديمها (همبرغرية) جاهزة للمستهلك العربي داخل فضائيتها. أسماء مثل برنامج الإتجاه المعاكس والرأي الآخر وحوار صريح ومجابهة ومواجهة وكل أسماء البرامج المماثلة ومهما تعددت الأسماء فإنها برامج حوارية فاشلة دونما إستثناء لأن الحوار بحد ذاته يبقى ناقصا في كشف الحقائق الموضوعية، فالفضائية صورة وليست راديو قائما على الثرثرة، بل إن الوثيقة المصورة هي الأكثر قربا من الحقيقة الموضوعية إذا ما وقف خلفها عقل أمين وشجاع واعيا للمسؤولية الإنسانية والوطنية. وإذا ما عرفنا بأن تلك الثرثرة تستهدف تشويه الحقيقة وتعريض المتحدث من خلال الخط الهاتفي المفتوح مع شخوص متفق معهم مسبقا، فإن الكارثة تصبح مضاعفة والنتائج كارثية. إن أية فضائية لا تعتمد الوثيقة في كشف الحقائق الموضوعية فإنها فضائية عاجزة عن الإبداع ولها هدف سياسي تقف وراءه أجهزة لها هدف ورؤية بعيدة المدى تعتمد التشويه أو الإرباك من خلال خلط الأوراق. وبروز ظاهرة (الكليب) في الأغاني هو مثال واضح وصارخ على قردية العرب والقائمين على الإعلام العربي. فما بال عاشق عربي يرتدي الكوفية والعقال والدشداشة البيضاء وقد وضع محفظته المليئة بالنقود في جيب دشداشته الرقيقة التي ترى فيها المحفظة ويرى من خلالها ملابسه الداخلية وهو يركض وراء صبية ببنطال الجينز في غابات بوليوود أو على سواحل أثينا أو في جيال الهملايا ومحفظته تروح وتجيئ وهو يركض واضعا يده فوق عقاله كي لا يسقط مرددا آهات الحب متناسيا خيمته وفنجان القهوة المرة. هذه الظاهرة القردية هي سمة من سمات الإعلام العربي والتي أصبحت ظاهرة وليست إستثاء .. ظاهرة تسود الإعلام يجلس أمامها ملايين الشباب العرب يبعثون برسائل اللوعة والشتيمة والعري الأخلاقي على شاشة تزدحم بالعناوين والأخبار والهواتف المتحركة مع فسحة صغيرة لصبية تقدم البرامج لا تعرف ولم تتعلم سوى (مين معي) .. و (وقفة مع الإعلان) وتمد إصبعها نحو الكاميرا (خليكو معنا) التي هي ترجمة لمذيعة الغرب (Stay with us). كل القنوات متشابهة لا تعرف من يمولها ولأي هدف. نعود لذات السؤال، لماذا تكاثرت هذه الفضائيات بعد التاسع من نيسان عام 2003 تأريخ سقوط نظام الدكتاتور العراقي؟! مع حاجة العراق للتعبير عن نفسه وتحت شعار (مغنية الحي لا تطرب) بدأ رجال السياسة العراقيون يتوجهون بأنظارهم نحو قنوات تبدو مغرية في شكلها وشهرتها، لكن دراسة فنية وثقافية معمقة لتلك الفضائيات تكشف زيف هذه الحقيقة. فظهرت برامج كثيرة أغلبها عن العراق، وبرامج مدعومة من شركات تعمل داخل العراق ولها مصالح في دعم نوع خاص من البرامج، وبدأت المؤسسات السياسية العراقية تنفذ إعلانات خارج العراق لشركات إعلانية كثيرة وبدأت تبثها عبر تلك الفضائيات العربية وتدفع مقابل ذلك مبالغ كبيرة لبث تلك الإعلانات التي كان المواطن العراقي غير مستفيد من بثها لإنقاطاع الكهرباء في ساعات كثيرة من الأيام العراقية، وإمتلأت أسواق البرامج الجاهزة بآلاف الأشرطة المستهلكة والمعروضة مئات المرات لتدخل السوق العراقية. وقد أوردت في أكثر من مقال عن صفقة لشراء برامج وثائقية وأفلام كرتون جاهزة ومستهلكة بيعت للعراق بمبلغ 192 مليونا من الدولارات فيما قيمتها لا تتجاوز نصف المليون من الدولارات. وهذا المبلغ مائة وإثنان وتسعون مليونا من الدولارات كفيل بإنشاء عشرين فضائية تبث لصالح العراق لمدة عامين في الأقل. هذا على المستوى المنظور، أما الواردات غير المنظورة فإن كشف الحقائق المتعلقة بقناة الجزيرة بعد سقوط الدكتاتور وتنحية مديرها وإختفائه عن الساحة الإعلامية الفضائية يؤكد حقائق كثيرة في العملية الإعلامية، وكان أغلب وأهم مذيعي البرامج في هذه الجزيرة يتقاضون دعما من النظام العراقي، كما يحتل شخصية عراقية من السلطة مركز المدير المالي للقناة وفي هذا دلالة لا تقبل المناقشة على إرتباط هذه القناة بالنظام العراقي وكانت تتقاضى مبالغ كبيرة جدا أثناء القصف الذي تعرض له العراق إبان حروبه الكارثية مقابل بث خطب الدكتاتور كاملة وبعد أكثر من نشرة أخبار وكأن قناة الجزيرة تحولت إلى قناة لنظام شمولي داخل دولة قطر الصغيرة، فيما تدعي القناة الليبرالية التي تستوجب الإشارة إلى خطبة للدكتاتور في بث جملة واحدة أو بضعة فقرات ضمن مسار الخبر وليس إذاعة الخطاب كاملا وتكرار إعادته على مدي يوم أو يومين، هذا إضافة إلى ما كانت تقوم به القناة من تشويه لواقع المعارضين العراقيين وتعريضهم للشتائم من قبل عناصر السفارات العراقية في الخارج على أساس أنهم مشاهدون محاورون، وتعطيهم حرية الشتائم على الهواء. لاننسى ظهور المذيعات والمذيعين في هذه القناة وكثير من القنوات المشابهة بالزي الأسود وأربطة العنق السوداء يوم أن نفذ حكم الإعدام بالدكتاتور. ثمة سؤال يطرح نفسه بصدد قناة الجزيرة في قطر. لقد تأسست هذه القناة بعد توقيع إتفاقية الغاز بين قطر وشركات أمريكية تعود للمؤسسة الأمريكية الحاكمة، وقد خصصت نسبة من واردات وأرباح الغاز لإنشاء قناة تلفزيونية عربية تعمل على كشف الواقع العربي الخفي حيث أدرك القطب الأمريكي بعد زوال القطب السوفيتي أن المرحلة باتت تتطلب كشف المستور من الواقع العربي وتحويل العلاقة العربية الإسرائيلة إلى حقيقة الأمر الواقع فدخلت إسرائيل محاورة بشكل مباشر بعد زمن جرى فيه التعرض لملكة جمال لبنان لظهورها في صورة إلى جانب ملكة جمال إسرائيل ومقاطعة أغاني المطربة صباح بعد إجراء مقابلة إذاعية معها من قبل دار الإذاعة الإسرائيلية، وبعد تأسيس قناة الجزيرة صار رؤوساء المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية ومؤسسات الدراسات الإسرائيلية يحاورون نظرائهم العرب عبر فضائية الجزيرة. هنا يأتي السؤال، إذا كانت قناة الجزيرة قد تأسست برغبة أمريكية وبالتنازل عن نسبة من أرباح الغاز لصالح هذا المشروع الإعلامي الخطير والكبير، وإن بقاءها أو عدمه رهين بالرغبة الأمريكية، وإذا كانت قناة الجزيرة بالمقابل تدعم الإرهاب وتدعم المناوئين لأمريكا ولإحتلالها العراق، فلماذا لا يصار إلى (الإشارة) لمن يقف وراء القناة بتغير نهج سياستها، بل أن ما يجري هو تطوير هذه القناة في تأسيس تؤامها باللغة الإنكليزية ومن أمريكا بالذات؟! فهل تمثل قناة الجزيرة في قطر، وهو مجرد مثال، قطب (العصا) في سياسة (العصا والجزرة) الأمريكية؟! وإلا كيف تطلب أمريكا من الحكومة العراقية أن تسحب السلاح من المليشيات وفي يدها قرار سحب مليشيات الفضاء ولا تنفذه بل تتركه يعبث في عقول وأحاسيس الناس ويتلاعب في أحلامهم حتى على حساب حياة جنودها في العراق الذي بلغ عدد المقتولين منهم قرابة الأربعة آلاف قتيل يقابله ما يقرب من مائة ألف شهيد عراقي من المواطنين الأبرياء، في وقت يتضح فيه دور الإعلام العربي في هذه الخسارات ناهيك عن الخسارات المعنوية والثقافية والإرثية والحضارية وعلى شتى الصعد. ليست قناة الجزيرة في قطر وحدها هي التي تعبث بأمن العراق وأحلامه بل أن كافة القنوات الفضائية سواء كانت العربية أم الشرق أوسطية أم العراقية داخل العراق أم العراقية في خارج العراق كلها تعمل على تهديم الوطن العراقي، وما يؤسف له فإن القنوات ذات الهدف الوطني المفترض هي الأخرى تؤدي ذات الغرض التدميري وحتى بحسن النية، فالطريق إلى جهنم مفروش أحيانا بالنوايا الحسنة. إن هذه القنوات العراقية بوعي منها أو دون وعي تكرس برامجها لزعزعة أمن العراق من خلال برامج الفرز والتقسيم وبرامج بث الثقافة التي لا تعترف بالآخر، ناهيك عن تدني القيم الجمالية في العرض والتقديم. إن لغة الحوار ولغة الخبر لاتزال لغة كلاسيكية تعود إلى مئات السنين ولا تزال صور العنف والقتل والتفجيرات هي السمة المميزة لكافة القنوات وهو أمر يوسم الوطن العراقي بسمة الموت. إن ما نشأ من واقع إعلامي سواء بالنسبة لوسائل الإعلام العراقية وبشكل خاص المرئي منها، واقع لا يبشر بالخير للوطن وينشر ثقافة التخلف والجهل وتدني مستوى العروض والبرامج وطريقة تقديمها. أما ما يتعلق الأمر بالقنوات الفضائية العربية التي تجاوز عددها الثلثمائة فضائية فإنها قتوات موجهة لتخريب العراق والعودة به إلى عصور مظلمة وتحويله إلى وطن ممزق تسوده الكراهية ويعمه الجهل وهو مخطط له أبعاد كثيرة ويبث سمومه بأشكال مختلفة تتعدد ما بين الجدية السياسية وبين المهزلة والإنحطاط السلوكي في تسخيف الآخر. (مثال) قناة فضائية تقدم برامج لا يمكن وصفها سوى بالدجل والضحك على المواطنين بطريقة لا توصف سوى بالمهزلة، فمقدم البرامج يقدم وصفات غيبية وأدوية ويوعد مواطنين بمعجزات لحل مشاكلهم وبطريقة تدعو إلى السخرية، ويقدم البرنامج بإسم الشيخ فلان (النجفي). فلا هو بشيخ ولا هو بنجفي ولكن الهدف من هذه القناة التي تستقطب المشاهدين البسطاء هو تعميم سخف الشخصية الشيعية عربيا وإسلاميا، وهذا لا ينفصل في سياسته عن ما بث في قناة الجزيرة عن إغتصاب إمرأة تحمل إسم (صابرين) بغض النظر عن صحة أو عدم صحة الحادث وبغض النظر عن قصدية الفعل والتخطيط له أم عدم قصديته، ولكن تلك الحادثة المرسومة مهما كان شكل اللوحة أو قدرة الرسام قادت إلى إعلان إغتصاب سيدة (سنية) وصدر البيان بالإنتقام من (الشيعة) بالمقابل لما حدث لهذه السيدة (قطعوا أوصالهم. وإنزعوا أفئدتهم من أجسادهم) .. هذه هي لغة الإعلام التي تمهد لها قنوات تبدو شكلا قنوات فضائية متزنة يتصدرها محمد حسنين هيكل بمذكراته الهادئة وبرامج من واشنطون عن السياسة الدولية وبرامج حوارية ذات طابع (ديمقراطي) شديد الديمقراطية حتى تصل الديمقراطية ذروتها ويهدد المتحاورون بعضهم ينبري مقدم البرنامج الأنيق جدا والديمقراطي جدا وصاحب الصورة التذكارية مع عبد حمود سكرتير الدكتاتور (أرجوكم يا جماعة أرجوكم .. ). وسط هذه البرامج المتزنة والديمقراطية تعرض صورة السيدة المغتصبة التي حتى لو لم تكن مغتصبة حقا فإن مثل هذه الحادثة يمكن أن تحصل في العراق الحاضر الذي هو نتاج لزرع بذور الشر والفتنة والتخلف منذ السابع عشر من تموز عام 1968 وحتى التاسع من نيسان عام 2003 فكم من الثمار الخبيثة يمكن أن تنتجها كل تلك البذور التي زرعها دكتاتور أرعن قاد وطنا وشعبا إلى الخراب. وإن أجهزة قوامها ما يقرب من مليوني شرير تم تدريبهم في مؤسسات البلدان الشيوعية وأيضا في بلدان العالم الرأسمالي ليتعلموا كل تنوع صنوف التحقيق والتعذيب والقتل والإغتصاب في غرف مغلقة وفي ما يطلق عليه بيوت الأشباح ليظهروا للشارع بذات النزعة التدميرية ورغبة القتل بعد أن تهدمت بيوت الأشباح تلك بسقوط الدكتاتور والتي أتمنى أن لا يعاد بناؤها بطريقة ثانية (لا تنهى عن خلق وتأتي مثله .. ) إن كثيرا من القنوات الثلثمائة التي تزدحم على الأقمار الإصطناعية تأتيها الواردات غير المنظورة من مواقع مختلفة وأحدها تلك الشركة الإعلانية العملاقة التي إستقطبت كل بنود الإعلان في الشركات الكبيرة في أمريكا وأوربا لتقوم هي نيابة عن تلك الشركات بنشر وبث الإعلانات في كل وسائل الإعلام ومنها بالدرجة الأساس القنوات الفضائية. فأصبحت ميزانية هذه الشركة من أكبر ميزانيات الشركات الكبيرة في العالم لأنها تمتلك سنويا كل بنود الإعلان للشركات العملاقة. يدير هذه الشركة يهودي أوربي من أصل عراقي يطلق عليه إسم (ساجي) أي (الساعجي) وهو شخص لمع نجمه في العالم، ويمتلك قدرة كبيرة في دعم البرامج ودعم القنوات الفضائية وبالتالي التحكم في سياستها، فهو يمول برامج كاملة لكثير من القنوات وبأرقام مغرية تلعب دورا كبيرا في ديمومة القنوات, ولقد إشترت حقوق إمتيازاته لتعمل نيابة عنه شركة لبنانية حملت إسمه لتنظم العملية الإعلانية والإعلامية في منطقة الشرق الأوسط. تلتقي هذه السياسة مع سياسة تدمير العراق التي تقف وراءها مؤسسات دينية خليجية معتقدة أن (الشيعة) قد حكموا الوطن العراقي وهو أمر غير مسموح به، بعد أنتهت الحقبة (السنية) بزوال الدكتاتور. هذه هي مخاطر اللعبة التي تلعب فيها وسائل الإعلام العربية دورا غير مشرف سيقود إلى تدمير الوطن العراقي لا سمح الله دون الإكتراث لما يحصل للوطن وللمواطن في العراق من هلاك ودون الإدراك بأن السرطان سرعان ما يسري في جسد المنطقة وسوف لن يسلم منه أحد ولكن ضحيته الأولى المستهدفة هو العراق لا سمح الله. لا السنة ولا الشيعة. لا المسيحيون ولا الصابئة المندائيون ولا الأزديون. لا الكرد ولا العرب ولا التركمان سيسلمون من الدمار لو تم إنجاز العملية التخريبية كاملة في الوطن العراقي. وعلى الجميع إدراك هذه الحقيقة. الحل الوحيد على المستوى الإعلامي هو قراءة قانون الإعلام وقانون الثقافة الذي أنجزناه للوطن وأصبح بين يدي المسؤولين وهم مسؤولون عن إقراره أو عدم إقراره. هذا شأنهم ولكن ما هو مطلوب منا كعراقيين عشنا تجربة المنفى وتعلمنا أصول إحترام الرأي الآخر والتعامل معه بتحضر وموضوعية شديدتين، إننا أنجزنا من بعض ما أنجزناه هذين القانونين اللذين إستمزجنا بصددهما رأي العديد من المثقفين العراقيين وتم تدقيقهما قانونيا من قبل ذوي الإختصاص ينظمان الحياة الإعلامية والثقافية العراقية. وإن الفوضى الإعلامية القائمة التي عملت على تخريب الوطن لا علاقة لها بحرية التعبير. وإن حرية التعبير المسؤولة لا تتقاطع مع القانون سيما إذا كان ذلك القانون متحضرا وشاملا وواعيا للعمليتين الإعلامية والثقافية. إلى جانب هذين القانونين (قانون الإعلام) و (قانون الثقافة) ينبغي على الدولة العراقية أن تساهم في تمويل قناة فضائية على غرار التجربة البريطانية والبي بي سي، القناة الحرة بكل معنى الحرية ولكن بقيادة إعلامية واعية. تلك القناة مدعومة ماليا بقانون بريطاني. ومثل هذه التجربة مدرجة ضمن قانون الإعلام الذي قدمناه لرئاسة الوزراء، دون حاجتنا لرسالة شكر منهم، قرأوه أم لم يقرأوه .. نحن قمنا بالواجب الوطني وهذا يكفي ونصيحتنا أن يصار إلى تأسيس قناة داخل العراق وفق شروط القانون وقناة أخرى تبث من خارج العراق موجهة لكل العراقيين وغير العراقيين .. قنوات فضائية تقوم على أسس كشف الحقيقة الموضوعية. هاتان القناتان يمكن أن تشكلا البديل الموضوعي لكل الهجمة الإعلامية التي تنفذها القنوات العربية ضد العراق، وإن إستثمار العقول العراقية في داخل وخارج العراق وإستقطابهم نحو وطنهم الذي يشعرون بأنه إبتعد عنهم كثيرا بعد سقوط الدكتاتور يمكن أن يشكل جدارا ثقافيا يحمي الوطن ويبعث الأمل في النفس عبر قنوات فضائية تنجز الإبداع على المستويين الفكري والفني الجمالي. ولكن قبل أن تؤسس هذه القنوات الفضائية وحتى يصار إلى مشاهدتها داخل العراق يجب توفير الكهرباء للمواطن حتى يتمكن من إلتقاط مثل هذه القنوات الفضائية ومشاهدتها. ولنتذكر بأن مخترع الكهرباء توماس أديسون هو نفسه مخترع حركة الصورة على جهاز الكنتوسكوب في أمريكا .. توماس أديسون يطلق عليه الأمريكيون إسم (القديس)!!؟؟
سينمائي عراقي مقيم في هولندا
|
|
|
|