جبـــل الهـــور
إلى قاسم حول
رمضان مهلهل سدخان
اخذ كاميرته ويمّمَ شطره صوب هور الچبايش وجعل يتهادى بقاربه بين غابات القصب والبردي فيما كان يشقّ طريقه سلساً في ممر مائي تحفّه هذه الغابات الكثيفة التي لا ينقصها شيء من أن تكون جنة الله على أرضه
فالطيور محلّقات أسراباً أسراباً .. تجتمع آناً وتطير آناً أخرى من على جزر صنعتها أكوام القصب العائم أو ربما تلال أرضية بمستوى الماء.. والجاموس يسرب في الماء أفواجاً يزاحم القوارب الغادية والرائحة.. أناس يتحركون بكل الاتجاهات منهمكين بأداء أعمال شتى، هذا يدفع قاربه مبحراً صوب غاية يروم تحقيقها، وذاك تغازل يداه بندقية صيده متحيناً الفرصة لاقتناص طير حطّ لتوه ليستريح، وثالث يسير متمنطقاً إزاره والماء يغطي نصف جسمه وهو يقطع الچولان والحشائش ليعود بها إلى حيواناته المنتظرات بصبر في أكواخهن.. ورابع، وخامس ... هذا هو حال منطقة الأهوار، قبل أن يهجم عليها الجفاف، عندما كان يستطلعها تمهيداً لتصوير فيلمه( الأهوار)..
الجميع خلية نحل كبيرة تعجّ بالنشاط والحركة وسط عالمهم هذا المترامي الأطراف الذي لا يستطيع المرء أن يستشعر طبيعته الساحرة إلاّ عندما يتماهى مع تفاصيله ويغدو جزءاً من تكوينه الخالد الذي يؤرخ لبدايةٍ موغلةٍ في القدم، فيذوب مع هذه اللوحة المائية المتراقصة بنباتاتها التي تتمايس منحنية احتراماً لكل قادم نحوها ليكحّل عينيه بمناظر الخضرة المعربدة في كل مكان.. حياة بسيطة جداً بساطة أهلها الذين يأنسون بطارش متوجه إليهم، فاتحين له قلوبهم وبيوتاتهم البسيطة هي الأخرى.. إذ لا ينبغي أن تطرق باباً أو جرساً، بل أن أهليها يحسّون بقدومك إليهم على مسافة بعيدة، فلا سياج يحجب هذه البيوتات عما يحيط بها، وبالتالي عن ضيوفهم الجادّين صوبهم.. إذن، انك تقرع قلوباً وليس أجراساً، إن أنت أقبلت عليهم، فتنبض تلك القلوب مرحّبة بك ما إن تقع عيونهم عليك، هكذا بلا استئذان..
كانت كل تلكم المشاهد صيداً ثميناً اقتنصته كاميرته ليرصّع بها فيلمه( الأهوار). لاشيء غير متوقع في ذلك الحين، فالطيور وقطعان الجاموس والأسماك المتعددة الأنواع والأسماء والبيوتات المتناثرة هنا وهناك والناس الطيبون إنما تشكل ملمحاً شاخصاً في ذاكرة الزائر حتى قبل دخوله عالم الهور وصراعه الشفيف مع طبيعته التي ربما لم يعركها بعد. استمرت الكاميرا تمسح المكان بعيونها الحانية تلك المشاهد، لكنها سرعان ما تسمّرت على حين فجأة مركّزة على مشهد غريب جداً، انه رجل يفترش الأرض بين القصب والبردي بملابسه الكردية!!! " يا الهي، هل أنا في حلم، ما الذي جاء بهذا الرجل، ابن الجبل، وانزله من عليائه وهبط به إلى دنيا الهور؟ أهو الآخر من الطيور المهاجرة؟ أم انه ملّ جباله وزهد بوديانه وضجر من خرير الماء هناك حتى جاء إلى هنا يتأمل سحر الهور وقصبه وناسه و...؟ " إنثالت هذه الأفكار في رأسه وهو يتقدم بتوجّس نحو هذا الرجل الرابض كجبل أشم وسط الخضرة و رفيف الأطيار فوقه واصطفاق أوراق البردي مع بعضها بمجرد مصافحة الريح لها، متراقصة تراقص أجنحة الطيور وهي تعلو وتهبط كقلب صاحبنا الذي اقترب أكثر فأكثر منه، وبادره محيياً:
- مرحباً بك يا أخي
- .......
- به خير بيين، كاكا
- ........
لم يرد هذا الكردي السلام عليه، بل ظلّ ماسكاً مكانه لم يعبأ بهذه التحية واكتفى بالتحديق الصامت بوجهه فأفصحت أساريره عن أشياء وأشياء باح بها صمته لهذا الشخص الذي تمنّى لو انه استطاع بأية طريقة تقديم اعتذاره له لأنه ربما قطع عليه تأمله أو عكّر مزاجه أو اقتحم وحدته.. ثم ومضت فكرة في خاطره جديدة ربما تنفع وهي أن يمدّ يده مسلّماً عليه ومعتذراً منه.. لكن صاحبه الكردي بقي على حاله وكأنه أراد أن يعلن رفضه لكل بشري ربما ينوي تشويش هذا المشهد الفاتن. لذلك، وبعد هذا الصدود، ترك كاميرته تسجّل هذه اللقطة الفريدة، لقطة وجود هذا الجبل الشامخ بين القصب والبردي، أرادها لتعلن للجميع بأن الهور هو ملاذ آمن لكل القلوب الكسيرة، لا يفرق بين ابن الهور وابن الجبل.
عاد أدراجه وترك وراءه رجلاً حزيناً وحيداً إلاّ من أفكاره التي جاشت في صدره فحبست عليه كلماته وعقدت لسانه، فتجلبب بالصمت الذي كان مفعماً بالتساؤل. عاد وهو يحادث نفسه مرة أخرى عن سبب وجوده وحده في هذا المكان، وعما إذا كان يمتلك عائلة تركها خلفه فوق الجبال تكافح قسوة الحياة، أم انه جاء إلى هنا ليتأمل ما جرى للكرد من مأساة إنسانية لم يرَ التاريخ مثيلاً لها، أم جاء يرى صورته منعكسة على صفحة ماء الهور فيبثها بعض حزنه وألمه، أم ... أم...
وبقدر ما كان منتشياً بصيد كاميرته هذا، فقد عبرت سحابةُ حزنٍ محياه وأدخلت الهمّ إلى وجدانه فأخذ يشعر بذنب كبير وهو يعود أدراجه مبتعداً عن المشهد، وغرق مفكّراً بقصة ابن الجبل، التي لابد أن تكون عظيمة ومثيرة. رمى كاميرته جانباً، بعد أن أدرك منزله في بغداد، وتوسّل بطريقة يعتذر من خلالها إلى هذا الكائن الجبلي الساكن وسط الهور.. وبعد تردّد دام سنوات قرّر أخيراً بأن يكتب له ما يشبه خطاباً في إحدى الصحف اليومية، سيما بعد أن دارت الأيام دورتها وانقشع الكابوس الجاثم على الصدور وبات بالإمكان تحقيق بعض الأمنيات الشخصية المؤجلة بفعل قسوة الظروف السابقة. فاستلّ قلمه وكتب مخاطباً صديقه الكردي:
“سأبحث عنك.. والله، رغم السنين التي مرّت منذ العام الذي التقيتك فيه.. إني أعرفك وأتذكر بريق عينيك وسحنتك ومسامات وجهك وشاربيك.. لقد قرأتُ في عينيك كل الذي كنتَ تريد أن تقوله.. ورسمت بوجودك في الهور لوحة ساحرة المكونات والألوان.. لوحة تمثل جبلاً شاهقاً من الصخر والسنديان يطفو على ضفاف الأهوار يعلن غرابة الوجود ولا معقوليته.. لوحة تشبه الخوف والطلاسم، وتشبه الوحشة والطغيان، وتشبه الجَلَد والمكابرة وتشبه صمتك ولوعتك.. وتشبهني وتشبهك.. فمد لي يدك أيها الطيب.. فأنا مثلك دامي القلب قوي العزيمة.. مد لي يدك لأني ضحية مثلك.. مد لي يدك وصافحني." أنهى رسالته وختمها باسمه وبعث بها إلى الجريدة.
ومن يومها، أدمن متابعة الجريدة علّه يفوز بخبر عن صديقه أو بكلمة أو سطر أو مجرد إشارة عابرة. وبعد طول انتظار ممض، تسرّب الملل إلى كل خلية من خلايا جسمه الناحل، فقرر على اثر ذلك أن يشد الرحال ويمضي برفقة كاميرته مسافراً نحو الشمال يبحث في الجبال والوديان عن صديقه الذي استخرج له صورة كبيرة، بكبر آماله، يعرضها على كل مَن يصادفهم في رحلة البحث هذه عن هذا المجهول. فتشَّ الجبال صخرة صخرة، وتقلّب بين الأودية والسهول وضاع بن أشجار البلوط والسرو وطرق أبواباً وأبواباً، لكن من دون طائل. ولما أنهكه الحال، تهاوى على سفح جبل قبل أن يبلغ بيتاً غير بعيد عنه في الأعلى، و سرح طويلاً واستسلمت عيناه إلى الكرى. وبينما كان بين اليقظة والحلم أبصر شخصاً يتقدّم نحوه بسحنة مألوفة لديه وعينين برّاقتين طالما تأملهما قبل سنين خلت وشاربين و... انتفض واقفاً بصورة نصف واعية ليعانق شخصاً كأن طيفه انشقَّ من بين الصخور، فردّ الآخر العناق بالعناق، وبقيت عينه الثالثة مفتوحة على وسعها حيرى في أن تسجّل لحظة اجتماع الهور مع الجبل أم تبقى منبهرة تتأمل هذه اللحظة بصمت مهيب.

© 2007 kassemhawal.com all rights reserved Designed by nouras.com & Managed by Wesima 5.0