شهادة في الزمن المفقود
قاسم حول
ليس سرا، فأصدقائي يعرفون ذلك، الغرور الكامن في ذاتي، لكنه غرور من نوع خاص لا يشبه الغرور المتعارف علية، فهو لا يتسم بالتعالي على سبيل المثال ولا يعوض عن فراغ أو فشل أو خيبة. لا أدري إلى ماذا قادني ذلك الغرور. الغريب أنه قادني إلى الإكتفاء مع أني لم أبلغ حد التخمة ولا حتى حد الشبع في العطاء ولكن ذلك حصل بسبب النكبات التي حلت على الوطن العراقي فأغلق الوطن أبوابه في وجهي بعد أن تركته مثل ما أغلقت كل الأوطان ابوابها بوجهي بسبب هويتي العراقية ما قادني ذلك إلى الحرمان الثقافي عبر أداتي التعبيرية، السينما. لا أدري إلى أي مدى عانى الآخرون من هذه المحنة؟!
وقفت يوما قرب دكان والدي الكائن على طريق الدوكيار في ميناء البصرة، وكنت طالبا في المدرسة الإعدادية. يومها كنت شغوفا وبإعجاب بتشيخوف وكنت مولعا بالسينما وأكاد أن أكون مدمنا على شاشتها وأعجبت بجيمس دين وآفا جاردنر وجنيفر جونز وجوان كراوفورد، وكانت تسحرني (شهرة) تشارلي شابلن وبدأت أقرأ ساغان وسارتر وبوفار .. قلت مع نفسي وأنا ألبس دشاشة بيضاء قديمة .. سأتجاوزهم! لم يكن ذلك إدعاءا فما أن أنهيت المدرسة الثانوية وإلتحقت بمعهد الفنون الجميلة حتى شكلت جماعة مسرح اليوم ثم بعد تخرجي أنشأت مؤسسة أفلام اليوم وأنتجنا فيلم الحارس الذي أصبح إشارة هامة في تأريخ السينما العراقية وبه حصد العراق أول جائزة كبرى في السينما كما أصدرت مجلة السينما اليوم. لكنني بعد سنتين من عرض هذا الفيلم وجدت نفسي مغمى علي في زنزانة بسبب التعذيب وشعرت بقطرات ماء على وجهي وعندما أفقت وجدت صبيا في حدود السادسة عشرة من عمره ينث على وجهي ماءا باردا لكي يوقظني. خبرني فيما بعد أنهم يستدعونه كل ليلة ويغتصبونه، يغتصبه أكثر من شخص في غرف مديرية الأمن. كان ذلك عام 1970
أين تكمن الأحلام في مثل هذه الحالة وأين تركن وكيف تنفذ للهواء الطلق!؟ سافرت بإتجاه بيروت وإلتحقت بحركة المقاومة الفلسطينية سينمائيا أوثق الأحداث وأصور المعارك وحلمي لا يزال بعيدا. فالسينما تحتاج إلى وطن فهي ليست قصيدة يمكن كتابتها في بيروت أو في لاهاي. السينما هي فن الواقع فالسينما الأمريكية تحتاج إلى أمريكا والسينما الهندية تحتاج إلى هند وكذا السينما العراقية فإنها تحتاج إلى عراق.
عاركت الحياة وصورتها .. فقط صورتها. لم أضعها في صيغة الدراما وأحيانا لم أضعها حتى في صيغة الفيلم الوثائقي وبنيته الدرامية. كادت العملية أن تكون إستهلاكية وظيفية أو تنتجها الضرورة. كنت أقوم بتشغيل ماكنة العرض السينمائية الجوالة بين قواعد المقاتلين ومخيمات اللاجئين تعويضا عن خيبة لست مسؤولا عنها.
تشكلت في العراق ما يسمى بالجبهة الوطنية. وبدون التفاصيل وجدت نفسي في بغداد. عندما نزلت من الطائرة كانت طريقة دخول المسافرين تتم على الشكل التالي. يقف عند سلم النزول من الطائرة رجل مخابرات ويتسلم جوازات سفر المسافرين. وقبل دخولهم الصالة وحيث يتوقف الباص الذي ينقل المسافرين إلى صالة الدخول يقف رجل المخابرات على طاولة ويفتح جوازات السفر وينادي على صاحب الجواز ويسأله بصوت عال أمام كل المسافرين. في تلك اللحظة قررت العودة في أقرب فرصة وقلت مع نفسي "ربي مررها بسلام" لم أكن تقليديا في ملابسي بل كنت ألبس بنطال الجينز وقمصلة وحذاءا صيفيا .. لم أفكر الدخول تقليديا إلى بغداد. تطلعت حوالي حيث من المفروض "حسب الإتفاق" إستقبالي في المطار من قبل موظفي وزارة الثقافة لكني لم أجد أحدا. مسك رجل المخابرات الواقف فوق طاولة الخشب وصاح بصوت عال دون أن يتمكن من لفظ إسمي صحيحا " قاسم ... قاسم حووول .. قاسم حوالي .. قاسم حولي .. ولك شنو هالأسم الغريب .. منو هوه صاحب هذا الجواز " أنا " قلتها منزعجا وبدأ الجميع يتلفتون نحوي. ثم فجأة إنتبه إلى تأريخ مغادرتي العراق عام 1970 وتصفح الجواز وصاح بصوت عال والجميع ينظر إلي، صاح "سيدي سيدي هذا مغادر العراق صار له ست سنوات وما راجع" وإلتفت نحوي صائحا "ولك وين كنت كل هالمدة؟" لم ينقذني من الموقف سوى ضوء مساعد المصور الذي توجه نحوي مع الكاميرا وهم يصورون وصولي حيث وصل ممثل وزارة الثقافة مع فريق تصوير من التلفزيون، فإنتبه رجل المخابرات وقفز من طاولة الخشب وقال لي أهلا وسهلا بالأستاذ أهلا بك في وطنك ووقف إلى جانبي لكي يظهر في الصورة وناولني جواز السفر وهو يتطلع مبتسما نحو كاميرا تلفزيون بغداد.
كان الإتفاق أن أخرج فيلم الأهوار وهو إختياري. ويوم رتبت كل شيء وصعدت وفريق العمل السيارات لنتوجه نحو هور الصحين شاهدت صناديق خشبية يتم شحنها مع معدات التصوير فظننت في البداية أنها معلبات أو ربما كتب تثقيفية حزبية لسكان الأهوار أو لا أدري ماذا ولم يكن الأمر يعنيني وتحاشيت السؤال. وصلت مدينة العمارة وصعدنا زورقا بخاريا يوصلنا للأهوار. المدخل إلى الأهوار أكثر جمالا من الأهوار نفسها فهي تشبه الحلم الغريب بين المدينة والفضاءات الواسعة البدائية .. هي نهاية المدينة وبداية الإنسحاب من معركتها .. بقايا بيوت من الحجر أو الطين وبينها بيوت من القصب، تفترق تتباعد ثم تتلاشى كلما إقتربنا من مساحات الأهوار. كانت الصورة ساحرة الجمال وكدت أبكي .. إنتابني شعور غريب هو خليط بين الطفولة والحلم الواعي وبين الخوف الذي يلازمني مذ كنت طفلا والخوف الذي أترقبه دون معرفة التفاصيل. كنت عملت دراسة ميدانية وبحث بصري قبل أن آتي إلى التصوير ولكن سفرة البحث بدأت بشكل مختلف حيث دخلت الأهوار من هور الفهود في الناصرية ثم الجبايش ووصلت هور الصحين في مدينة العمارة. أما في رحلة التصوير فقد بدأت رحلتي من مدخل في نهر دجلة نحو هور الصحين.
وصلت ما يطلقون عليه الفندق العائم وهو مجرد مساحات مقسمة مجازا على شكل غرف وتسيج السفينة العائمة شباك من الأسلاك التي تمنع توغل الحشرات والبعوض والبرغش. وكنت طلبت طائرة هليوكبتر لتصوير لقطة إستعراضية للهور لكن محافظة العمارة لم توفر لي مثل هذه الطائرة وكان علي أن أصعد إلى مكان مرتفع لتصوير الأهوار فجرا بحركة إستعراضية للمكان ومن زاوية مرتفعة تعوضني نسبيا عن لقطة الهليوكبتر. ورتبت فوق سطح الفندق العائم طاولات لكي نزيد نسبة الإرتفاع وطلبت أن يوقظونني الساعة الرابعة فجرا لكي نضع الكاميرا فوق الطاولات على سطح الفندق العائم. عندما صعدت على السطح وتطلعت إلى الأكواخ بعد أول خيط أبيض من السحر شاهدت كافة الأكواخ وعليها صور لرئيس البلاد أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين، فعرفت حينها سر الصناديق التي شحنت مع سيارات المعدات والتي كانت مليئة بالملصقات وأغلبها صورة تثير القرف عندي وهي صورة الرئيس ونائبه وكلاهما في طقم أبيض يعانقان بعضهما قبل لحظة التقبيل!. رفضت تصوير المشهد وطالبت برفع الصور فتحولت العيون نحوي إلى ما يشبه عيون الذئاب وفيها غضب ينذر بكارثة ستحل علي. كان جميع فريق التصوير من حزب البعث الحاكم بإستثناء أحد المصورين وهو سلمان مزعل "توفي في حادث بعد الفيلم" ، فعقدوا إجتماعا وبقي الشيوعي سلمان مزعل واقفا جنبي ينظر إلي بحزن شديد. تقرر إرسال مدير الإنتاج إلى بغداد لإبلاغ مؤسسة السينما بالحادث وعاد وهو يطلب من فريق العمل العودة إلى بغداد .. فعدنا وكانت الرحلة شاقة في معاناتها حيث سأواجه حالة ليست سهلة من الإستجواب. لم أشعر بمتعة الممر المائي الذي يتلون بألوان النخيل الخضراء وأكواخ القصب الصفراء ثم يتحول إلى لون أزرق عندما يصل الزورق إلى مساحات مفتوحة خالية من الأكواخ والنخيل فأجد مساحات من العشب على جانبي النهر. لم تكن المساءلة سهلة ولم تكن أسبابي لرفع صورة الرئيس ونائبه مقنعة لرجال المخابرات .. وكانت المساءلة أشبه بالمحاكمة وقد تمت في غرفة مدير قسم السينما "ياسين البكري" الذي بذل جهدا للوقوف إلى جانبي وهو سينمائي متخصص في الفيلم الوثائقي ودرس في أسبانيا "توفي" كما وقف إلى جانبي مساعدي وهو حسين أمين. أنتظرت بضعة أيام لأعرف القرار ثم أبلغني مدير المؤسسة بالعودة وتصوير فيلم الأهوار. لقد صورت تسع ساعات إستخلصت منها للفيلم إثنين وخمسين دقيقة، وكانت ثمة مشاهد كنت أريد إدراجها في الفيلم ضمن بنية الفيلم ولكن كان ذلك مستحيلا ولعل مشهد وفاة أمرأة على "جباشة" من اليابسة تطوف على مياه الأهوار كان أكثر المشاهد تأثيرا وكنت أود إدراجه في الفيلم وحاولت كثيرا إلا أن المدير العام للمؤسسة عبد الأمير معله رفض ذلك بشكل قاطع "توفي بعد أن تعرض للضرب من قبل أجهزة الأمن وهو عضو متقدم في الحزب". مشهد المرأة التي ماتت شاهدته بطريق المصادفة، ففيما كنت مارا بالزورق شاهدت على "جباشة" طافية فوق الماء بحوالي عشرة أمتار مربعة، شاهدت إمرأة مسنة تنازع الحياة ويجلس أبنها متوسدة حضنه وإلى جانب "الجباشة" زورق مشدود بالمردي وتحيط غابات القصب بالمكان وتحول دون ما يكفي من الإضاءة ونحن تعتمد في تصويرنا إضاءة الطبيعة ويبدو أن ولدها كان يحملها لإيصالها إلى المستوصف البعيد عن الأهوار فجاءتها المنية وأنزلها لليابسة فوق هذه الجباشة. قفزنا نحن من الزورق وعندما شاهدت المكان في الظل أخذت معي عاكسة ضوء تسعفني في جلب بعض الضوء العالي ووجهته نحو المرأة وأنا أقف إلى جانبها وطلبت من المصور أن يفتح عدسته العريضة ويصور المشهد كاملا ونحن جميعا في الكادر وهي تودع الحياة وإبنها يبكي بحرقة عند رأسها والغريب أنه لم يعترض على وجودنا حتى ماتت في مكانها. هذا المشهد نفذته الصدفة والطبيعة ولم يكن لنا دور في تصميه وكان من المشاهد المؤثرة والتي تتسم بالتغريب حيث وجودي وأنا أسلط الضوء وإلى جانبي مساعدي ومدير الإنتاج ونحن نصور المشهد بكاميرتين، كاميرا تصور المشهد بلقطة عامة وكاميرا موجهة نحو المرأة المسنة تجسد وأخاديد وجهها وهي ترحل عن هذه الدنيا.
خلال فترة بقائنا في هور الصحين وطدنا علاقة مع إمرأة من معدان الهور وكانت جميلة ووسيمة وكان إسمها "مريدة" كنا نكافئها على جهودها معنا وكانت سعيدة بعلاقتها معنا حتى كادت ان تصبح ضمن فريق العمل. سألتها يوما عن العلاقات العاطفية بين صبايا الهور وشبابه فحدثتني عن الحب وأغاني العشاق، وللمناسبة فإن أغلب شباب الأهوار يتمتعون بأصوات ساحرة ويغنون بوله من عمق القلب .. وخبرتني مريدة أن كل من يغني في ذهنه صورة حبيبته، والشباب يتمتعون عندما تزجرهم الفتاة وهم يتغزلون بها فزجر الصبايا وبالشتائم الثقيلة أحيانا للشباب له نكهة خاصة. نساء الأهوار بتمتعن بأجساد ممشوقة بسبب حالة النشاط والعمل المتواصل والجذف. وخبرتني مريدة أن بعض الشباب والصبايا يذهبون بعيدا وفي السر إلى مناطق نائية من الأهوار لا يذهب إليها سكان الأهوار لعدم توفر غابات القصب، وهناك يستحمون في الماء وكثيرا ما تحدث قصص غرامية يتمتع فيها العاشق ببعض حقوقه أو بحقوقه كاملة. الموضوع كان مثيرا بالنسبة لي فهو مشهد سينمائي خصب. فعرضت عليها مبلغا من المال لها ولكل من يساهم في المشهد فأخبرتني أنها أقنعت ثلاث شباب وثلاث صبايا إضافة إليها وعاشقها أن ينزلوا في الماء وقررت أن أصورهم وأصور خروجهم من الماء وأسجل كل حواراتهم وصممت المشهد مع المصور ومنعت إدارة الإنتاج والمساعدين من الذهاب معنا كي لا يكثر العدد ويربك المشهد. وفي صباح موعد التصوير وكان يوم جمعة هبت ليلا عاصفة شديدة في المنطقة وهطلت أمطار غزيرة. وعندما صحوت في الصباح لكي أتحدث مع مريدة وأرتب موعدا آخر لم أجد بيتها الذي كان قريبا من الفندق العائم حيث نقيم فلقد غيرت العاصفة جغرافية المكان وأبتعدت البيوت التي هي عائمة على "الجباشة" والتي هي بمثابة جزيرة صغيرة من القصب المشدود طائفة ويبنى فوقها كوخ القصب. لقد رحل بيت مريدة لا أدري في أي إتجاه وعبثا حاولت العثور على مريدة وكوخها فيما كانت العاصفة تشتد والأمطار تهطل بغزارة.
كنت كلفت مدير المدرسة أن يتقصى المنطقة ويبلغني عندما يحصل زواج في الأهوار فأني في رغبة لتصوير زفة العروس حيث عندما كنت صغيرا في ناحية المدينة رحلت في زورق إلى جانب زورق العروس الذي كان مزدانا بالمخدات الملونة وثمة زوارق جلس فيها إقرباء العريس وهم يطلقون النار من بنادق البرنو الجيكية. وكنت أريد تصوير مثل هذا المشهد الذي بقي منطبعا في مخيلتي. خبرني مدير المدرسة بأن ثمة زفة لعروس ستنطلق من عشائر بني منصور التي تقطن قريبا من هور الجبايش وسيأتون إلى هور الصحين في طريقهم إلى بيت العريس، وخبرني بأن أهل العروس يرفضون التصوير حيث رفضت العشيرة ذلك. قررت الذهاب إلى عشائر بني منصور، وهم يقطنون بعيدا عن المكان الذي نسكن فيه في هور الصحين سيما وأن أحد أقرباء والدي من أصول هذه العشيرة ومعروف بالشيخ عبد الكريم المنصوري "توفي". قررت أن أحمل لهم صندوقا من الشاي وكيسا من السكر. وكان في منطقة الأهوار دكان واحد وهو صريفة كبيرة عائمة تملكه إمرأة. ذهبت إليها وسألتها إن كانت تملك مثل هذا الطلب فخبرتني أنها تملك كيسا واحدا للسكر وصندوقا من الشاي وقد باعت منهما بضعة كيلوغرامات لكنها إمتنعت عن بيع المتبقي لي وبالثمن الذي ضاعفته إليها. رفضت قائلة الناس هنا تعيش على الشاي والسكر والخبز ومن الصعب تركهم جياعا وأنها تذهب للمدينة لشراء صندوق شاي وكيس سكر كلما قارب المتوفر لديها على الإنتهاء. فباعتني خمسة كيلوغرامات من الشاي وخمسة كيلوغرامات من السكر. حملتها معي ووضعت في جيب مدير الإنتاج والمصور ومساعدي إضافة لي خمسة دنانير لتقدم "شوباش للعريس" عندما ندخل لتصويره. أخذنا زورقا بخاريا وإنطلقنا في أول الصباح. أحب دائما مذ كنت صغيرا أن أجلس على سطح المركب فأشعر بنشوة في السفر وفي ذات الوقت فإن ذلك يبعدني عن الحوار مع فريق الإنتاج. صعد مساعد صاحب الزورق ويسمونه (السكن) أي second وتعني الثاني. وبدأ يتحدث معي ثم قال لي " أشعر بأنك تتحدث بلغة مختلفة عن الآخرين" قلت له إنني أعيش في لبنان فقال لي عرفت ذلك ولا أقصد هذا. قلت له ماذا تقصد فسألني أنت لست بعثيا، فإبتسمت وسألته وأنت قال إنتميت إلى البعث ولم أكن بعثيا ولكن عندما يتغير الحال أعود إلى جماعتنا. وصلنا عشائر بني منصور بين قضاء القرنة وناحية المدينة. إجتمعت بأهل العروس وشيوخ العشيرة وعرفتهم بنفسي وبالشيخ عبد الكريم المنصوري فقالوا "والنعم" وقدمت لهم الشاي والسكر فأعطوني موعد ومكان وصولهم إلى هور الصحين. فأنتظرناهم في أول الصباح ورافقناهم في رحلتهم بإتجاه بيت الزوجية نصور فرحهم أولا بأول. وعندما صورنا المشهد دخلنا المضيف في منطقة الصحين حيث يهنئون العريس. سلمنا عليه وأعطيناه "الشوباش" وأظن أن مبلغ عشرين دينارا كانت بالنسبة إليه صفقة لم يكن يحلم بها.
أكملت تصوير الفيلم وأنجزت المونتاج في بغداد وكان المخرج والمونتير "شيراك خوجه يان" يقوم بمونتاج الفيلم ثم سافرنا بإتجاه إيطاليا وقمنا بعملية المكساج وطبعنا الفيلم الذي حزت فيه جائزة أفضل مخرج عراقي مع ست جوائز للفيلم لأفضل سيناريو وأفضل مونتاج وأفضل صوت وأفضل تصوير وكانت لجنة التحكيم برئاسة جبرا إبراهيم جبرا الذي كتب بيانا سينمائيا مطولا عن الفيلم. عندما طبعت الفيلم في إيطاليا قمت بطباعة نسخة من حسابي الشخصي وشحنتها إلى بيروت لتبقى في قسم السينما الذي أديره هناك خوفا من أية مفاجأة.
السلطة الحاكمة التي قررت تجفيف الأهوار فيما بعد أحرقت الفيلم بأصوله السالبة والموجبة عام 1992 ولم تبق سوى النسخة الموجبة في بيروت. عندما غزا الإسرائيليون بيروت عام 1982 وكانت وثائقي في قبو في كورنيش المزرعة أخذوا من القبو كافة وثائقي ومنها فيلم الأهوار. حاولت عبر المنظمات الدولية إعادة الفيلم ولم أفلح في جهودي تلك.
بعد النجاح الذي حققه فيلم الأهوار طلبت مني مؤسسة السينما أن أخرج فيلما روائيا وحاولوا أن يكون الموضوع عن فترة الخمسينات السياسية قبل ثورة الرابع عشر من تموز وأحسست أنهم يريدون أن يكون الموضوع متعلقا بحزب البعث وجعله قائدا للحركة الوطنية أزاء تلك الفترة فرفضت وحتى لا أعود إلى بيروت أعطوني فرصة إختيار الموضوع. إقترح علي صديقي السياسي والكاتب جاسم المطير موضوعا يتعلق بالعمل الرأسمالي في البيوت أن يكتب عنه قصة بعد أن نقوم بالبحث وأن أكتب أنا السيناريو لفيلم أطلقت عليه إسم "بيوت في ذلك الزقاق". كتب جاسم المطير القصة وكتبت أنا السيناريو وكانت أول مواجهة لي هي إختيار ممثلي الفيلم. فزرت أكاديمية الفنون لأرى تمرينات الطلبة على المسرحيات التي يتدربون عليها في دروس التمثيل، لكي أختار بعض ممثلي الفيلم، فأشرت لبعض الممثلين الذين أعجبت يهم وشعرت أنهم يناسبون بعض شخوص القصة دون أن أعرف أسماءهم فجميعهم طلبة جدد إضافة إلى بعض الممثلين الذين أعرفهم من الوسط المسرحي ومن زملائي. وبعد أن قدمت الأسماء إلى مدير الإنتاج لكي أجري لهم الإختبارات سينمائيا، طلب مدير عام مؤسسة السينما عبد الأمير معله أن نجتمع في مكتبه، وعندما إجتمعنا أبلغني بأن كل الممثلين الذين إخترتهم هم من الشيوعيين فقلت له أنني لم أخترهم على هذا الأساس بل أنا لا أعرفهم وطلب مني أن أختار ممثلين من حزب البعث فقلت له أن هذا مبدأ غير صحيح وغير سليم ولا مانع عندي من توزيع الأدوار على من هو جدير بأدائها وتناسب شخصيته الشخصية المكتوبة. قدموا لي عددا من الممثلين من حزب البعث لإختبارهم وإخترت بعضهم. وبعد أيام من الصراع قدم لي المدير عرضا بدا لي غريبا أول الأمر. قال لي إن في قصة الفيلم شخصيات إيجابية وطيبة ووطنية وفي القصة أيضا شخصيات من الأنذال والسفلة والقتلة. لا مانع لدينا أن يكون ثمة شيوعيين بين الممثلين ولكن أن يصار إلى توزيع الأدوار بالشكل التالي أن تعطي كل الشخصيات الإيجابية والطيبة إلى ممثلين بعثيين وأن تعطي كل الشخصيات السافلة والقتلة إلى الشيوعيين. إندهشت في بداية الأمر حتى ظننت أنه يتحدث مازحا ولكني وجدت في حديثه ليس جدية فحسب بل إصرارا. حاولت أن أفهمه بأن الأدوار توزع حسب مناسبة كل ممثل وتطابقه في الشكل والأداء مع الشخصية المرسومة في السيناريو فلم يقتنع وسألته عن السبب فقال لي. إن الممثلين المنتسبين إلى حزب البعث معروفون لدى جمهور المشاهدين بإنتمائهم لحزب البعث وعندما يراهم الجمهور على الشاشة في أدوار مناضلين وبنائي مجتمع فإنه سيحبهم وبالتالي سوف تنعكس هذه المحبة على محبة الحزب وأهدافه، وبالمقابل فإنه سوف يكره الشيوعيين عندما يراهم أنذالا وقتلة على الشاشة. قلت له ولكن هذا الفيلم ليس للعراقيين بل هو فيلم قد يعرض في أنحاء العالم فكيف سيعرف المشاهد في أوربا وأمريكا الممثل وإنتماءه الحزبي. قال لي نحن غير معنيين بالغرب فهم سوف يشاهدون الفيلم كفيلم أما بالنسبة لجماهيرنا العراقية فالأمر مختلف. رفضت المبدأ طبعا وإضطروا في النهاية أن يخضعوا لشروطي في إختيار الممثلين، الممثل المناسب للدور المناسب.
كنت أنظر حينها وأنا أنفذ الفيلم إلى سخف ما قدم لي من عرض بشان الممثلين وإنتماءاتهم. لكنني وبعد مرور سنوات أدركت صحة رأيه كسلوك لحزب شمولي ذي نزعة فاشية في تعميق إيديولوجيا البعث السلطوي. أنها فكرة ذكية ولعينة من الناحية السياسية مع أنها سخيفة ثقافيا. تذكرت إننا عندما كنا نشاهد الأفلام العربية لم نكن نحب فريد شوقي ومحمود المليجي لأنها يؤديان دائما دور الشرير الذي يندحر في نهاية الدراما وكنا نحب شكري سرحان وأنور وجدي ونصفق لإنتصارهم في نهاية الفيلم. أدركت أن نشاطات حزب البعث في أدلجة الواقع العراقي والهيمنة عليه وتنفيذ مخططاته حتى في إستثمار فكرة إنتاج فيلم. لا شك أن في حزب البعث الحاكم لجانا تتابع وتدرس كل صغيرة وكبيرة في علاقتهم بالناس وبالواقع وبالثقافة، وإلا كيف يمكن أن تخطر مثل هذه الفكرة في رأس مدير مؤسسة السينما وحده. بالفعل إن للأمر تأثير على المشاهد، فإن ممثلا شهيرا وهو في الجبهة اليسارية للمجتمع العراقي ومعروف بتأريخه يراه المشاهد قاتلا على الشاشة فإنه سوف لن يتعاطف معه بل سوف يتعاطف مع ممثل يلعب دور عاشق ومظلوم وضحية ولذا طلب المدير مني أن يؤدي مثل هذه الأدوار ممثلين معرفين بإنتمائهم إلى حزب البعث. هذه نظرة ليست عادية وينبغي الوقوف أمامها وتأمل مسارات كثيرة في الحياة العراقية لمعرفة الأسباب التي جعلت حزب البعث يصمد في الحياة السياسية ما يقرب من ثلاثين عاما لأنه كان منشغلا بشكل لحظوي في مراقبة حياة المجتمع العراقي. ينبغي تماما التوقف أمام هذه الحادثة، حادثة توزيع أدوار الممثلين بين الممثل البعثي والممثل الشيوعي. بألتأكيد أنا أقف ضدها ولكنها نظرة لم يكن المدير العام لمؤسسة السينما يقف وراءها إنما كان ثمة نهج كامل يقف وراءها. كان يقف وراءها طارق عزيز وهو المنظر لكل خفايا الثقافة في العراق وهو نفسه الذي راقب الفيلم بعد أن تم إنتاجه وطلب مني إجراء تعديلات في الفيلم وكان أهم تلك التعديلات وأصعبها هو مشهد نصب الحرية وإغتيال صحفي تحت نصب الحرية من قبل رجال الأمن والطريقة التي نفذت بها المشهد.
كان المشهد يمثل خروج الصحفي والمصور من البار وكان الصحفي يحمل ملف تحقيقاته في الأحياء الشعبية عن ظاهرة العمل البيتي لحساب المصانع وهو ما يطلق عليه في الإقتصاد العمل الرأسمالي في البيوت وهي ظاهرة منتشرة في كثير من البلدان وخاصة بلدان الشرق والبلدان الفقيرة وهي منتشرة أيضا في إيطاليا بنسبة عالية وفي أسبانيا نسبيا وما ينتج عن طبيعة هذا العمل من التأخر الإجتماعي وإنتشار البغاء وتنامي الطبقات الطفيلية في المجتمع ودخول رجالات الشرطة السرية في الحياة الإقتصادية. يقف الصحفي وهو يحمل الملف ثملا وإلى جانبه صديقه المصور الصحفي وهو يحدث صاحبه عند السياج تحت نصب الحرية وكانت خلفيته فقرة الشهيد خارج مجال الرؤية وبعد أن يشكو همومه لصاحبه المصور يدخل الشاشة مسدس في يد رجل الأمن ويطلق النار على رأس الصحفي فيسيل الدم وينزل من الكادر السينمائي لتتضح صورة فقرة الشهيد في نصب الحرية وتبقى على الشاشة. يحاول المصور أن يشخص سيارة الأمن فيطلق عليه الرصاس ويقتل هو الآخر.
تمكنت من مغادرة العراق دون أن أغير هذا المشهد ولا المشاهد الأخرى وبشكل خاص هذا المشهد الذي بذلت جهدا في تنفيذه حيث أفرغت ساحة التحرير بعد الساعة الثانية ليلا وأنرتها بإنارة خافتة وجلبت الرافعة السينمائية لكي تتحرك مع مسار الممثلين وتقترب منهم وتذهب نحو نصب الحرية وتنزل إلى وجوههم في حركات ذات قيم جمالية كان مدير التصوير حاتم حسين قد أبدع فيها حقا وجاء تظهيرها في مخابر ميكروستامبا في إيطاليا قد منحها قيمة سينمائية تركت أثرها سلبا على طارق عزيز الذي شاهدته غاضبا وهو يغادر الصالة.
كل المحاولات التي جرت لإقناعي في تغيير مشاهد الفيلم لم أرضح إليها. لست بطلا في مواجهة سلطة فاشية ولكن هذا هو الذي حصل ولا أدري فيما إذا كنت على خطأ أم على صواب وكانت حبات الليبريوم هي التي تسعفني في ذلك الوقت وحيث بات شكلي يميل إلى الإصفرار. وحتى يحسموا الموقف معي أبلغت بان صدام حسين يطلب أن أزوره في مقره في القصر الجمهوري وتحدد الموعد في يوم جمعة الساعة الحادية عشرة، نذهب للقاء صدام حسين أنا مع طارق عزيز، لكن الصدفة أنقذتني عندما زار الشخصية الفلسطينية جورج حبش بغداد وأنا الذي أنشأت لهم قسما للسينما وكنت لا أزال غير بعيد عنهم فزرته وشرحت له الأزمة ونجح أن يرسل معي وفدا إلى ليبيا وسافرنا في يوم الجمعة في الساعة السابعة صباحا ومن ليبيا ذهبت إلى روما ومنها عدت إلى بيروت. جيء بمخرج آخر وحذف مشهد ساحة التحرير ونفذ مشهدا بائسا فقيرا فكريا وفنيا ووضعوه في مكان مشهد ساحة التحرير. عندما عدت إلى بيروت بدأت التحضير لإخراج فيلم عائد إلى حيفا عن رواية غسان كنفاني ونفذت الفيلم ثم غادرت مع من غادر بيروت بعد الإحتلال الإسرائيلي وعشت في اليونان عشر سنوات أنجزت خلالها عددا من الأفلام ثم حط بي الرحال في هولندا وحيث أقيم إلى أن تكمل لعبة الحياة نهايتها السخيفة.
سيأتي وقت ربما أكتب فيها شهادتي في زمن مفقود آخر يطلق عليه المنفى مجازا فيما منفى الوطن هو المنفى الحقيقي، الأقسى والأصعب.
في كتابتي هذه أرجو أن لا يدرج ما سأقوله في خانة البطولة فإن الأمم التي تحتاج إلى أبطال إنتحاريين هي أمم بائسة. من الصعب أن أفرز تصرفاتي في خانات الخطأ والصواب أيضا فالمسألة أنظر إليها بشكل نسبي وندم نسبي أيضا. فأرجو أن ينظر إلى بعض ما سأدونه على أساس أنه وثيقة وبدون دلالات تتعلق بالبطولة والسخف والإعجاب والندم وما أشبه.
الإيذاء ..
كان الشخص الذي حقق معي في المعتقل عام 1970 يحمل لقب السامرائي وبعد أن خرجت من المعتقل حدثت صديقا لي من مدينة سامراء وخبرني أن رجل الأمن هذا كان زميلا له في الدراسة فمشيا في خطين متباينين. ذهب الرجل بإتجاه الشرطة السرية وذهب صاحبي بإتجاه النقد الأدبي. طلبت منه أن يستفسر عن سبب الإيذاء الذي أصابني. والحقيقة أن أصعب ما واجهته ليس هو التعذيب بل صورة الصبي الجميل الذي كان يغتصبه عدد من رجال الأمن كل ليلة الذي نصحته بمغادرة العراق في أول فرصة تتاح له ولو شاهدته اليوم لعرفته لأن ملامحه وسحنته لن تغيبا عن مخيلتي وأيضا أتصوره لايزال كما هو ولم يكبر بعد كل هذه السنوات. لقد أخبر رجل الأمن صديقي السامرائي خبرا غريبا. قال له إن سبب إعتقالي يتعلق بالكلمة التي ألقيتها على قبر الشاعر بيره مرد في ذكراه المئوية وكانت ضمن عدد من الكلمات حيث ألقى الشاعر الجواهري كلمة الأدباء العراقيين وألقى شمران الياسري كلمة الصحفيين العراقيين وألقيت أنا كلمة الفنانين العراقيين، إضافة إلى كلمة الأدباء من كوردستان العراق وعلى ما أتذكر الدكتور عز الدين رسول والكاتب مصطفى صالح كريم. وكنت أنا الوحيد الذي تم إعتقاله. قال له رجل الأمن أن ثمة من يرصد كل تحركاتي وبشكل مستمر وهذا الذي يرصدني ليس من رجال الأمن وهم لا يعرفونه. قال له أن رسائل تأتينا بشكل متواصل من شخص لا نعرفه يبلغهم بكل تحركاتي وحتى أخباري في الصحف العراقية والعربية فإنها تقتطع ويكتب على هامشها إسم الصحيفة وتأريخ النشر، وقال عندنا ملف غني عن حياتي مهما بلغت عادية الحدث.
هذا الشخص الذي يتسلى بالكتابة عني ويشكل ظلا غير مرئي يقف خلفي أو أمامي في لحظة نشوة في مشرب الشاطئ الجميل على شارع أبي نؤاس مثلا، تحول بمرور الوقت إلى مديرية للشرطة السرية ثم إلى حزب ثم تطور إلى سلطة ثم أصبح دولا، وتحول في النهاية إلى قوة دولية لها طائرات ودبابات وأسلحة كيميائية ونووية فتاكة، وتحولت أنا بشكل متواز إلى رابطة للكتاب والصحفيين والفنانين ثم تحولت إلى مجتمع كامل منفي ثم شتات ثم إلى شعب ممزق داخل العراق وإلى شعب يعيش في اللامكان واللازمان في العالم لا يستطيع أن يرى اليوم صورة غده في مجال الرؤية أو خارج مجال الرؤية. هذا الشخص الذي لا أعرفه والذي كان يتابعني من لحظة خروجي من المصرف التجاري حيث أعمل محاسبا هناك ويجلس معي في مطعم عمو الياس في شارع الرشيد ثم في المقهى البرازيلية التي تجاور المطعم ثم يتبعني في شوارع الحيدرخانة ويجلس معي في مقر صحيفة المواطن، وفي المساء يلاحقني في معهد الفنون الجميلة ويصعد الباص معي، ثم يصعد سلالم عمارة الأخوان في شارع السعدون مقابل سينما النصر ويجلس معي في فرقة مسرح اليوم ونحن نؤدي التمرينات المسرحية والتلفزيونية ثم يدخل معي في محطة التلفزيون وعندما اغادرها ليلا يسير خلفي ظلا نحو شاطئ الأنس الجميل دون أن يتمتع بوجبة الطعام في مطعم عمو الياس ولا في فنجان القهوة في المقهى البرازيلية ولا يتمتع بالتمرينات المسرحية ولا بنشوة الخمرة في الشاطئ الجميل .. هذا الذي كان يرصدني ويقرأ الصحف العراقية والعربية ليس لكي يتزود الجمال والمعرفة والفلسفة والشعر والقصة والمسرحية، بل لكي يبحث عن مقالة لي أو خبر عني فيشتري الصحيفة ويقتطع المقال والخبر ويضعها في مظروف ويذهب إلى البريد ويشتري الطابع البريدي ويرسل إلرسالة إلى عنوان مديرية الأمن فيشعر بالراحة وينام سعيدا بعذاباتي. هذا الإيذاء الذي كبر في شخصية العراقي وتحول إلى حزب ثم إلى دولة وكبر حتى صار دوليا. هذا الإيذاء لم يعد فردا يعرفني ولا أعرفه بل تحول إلى ظاهرة تتجسد الآن في صورة وطن يحمل مواطنوه قطعا من حديد بنيران تمزق الأجساد والبنى ويضعون على وجوههم الأقنعة السوداء وهم يرقصون بكروشهم بالدبكة والجوبية ثم يطلقون النار. هذا الإيذاء الذي تحول إلى لواط في ثنايا الوطن وأختلطت رائحة النفط برائحة الدم والبارود. كبر هذا الإيذاء وجعلنا في حالة وجوم حقيقي، ضعف فيه المزاج وإضمحلت الرغبات. كانت بداية الإيذاء متجسدة في شخص غير معروفة حالته المرضية ودوافع تلك الرغبة في متابعة أخباري ومعرفة مسار يومي الإنساني، لكنني لم أقف أزاءها بإنتباه شديد. كنت أدرك فقط صورة الوطن في صورة الصبي الحنطي اللون وهو طالب في الرابع الإعدادي زج به في الزنزانة لكونه ناشطا في منظمة إتحاد الطلبة. كان ينث قطرات الماء على وجهي وهو لا يعرفني لكي إستيقظ من الإغماء فيما يستدعى كل ليلة لحفل إغتصاب فيعبث في جسده وروحه شلة من القتلة، كانوا يلعبون لعبة الموت في غرف مغلقة ويرقصون ويدبكون صاروا اليوم يلعبونها في الهواء الطلق ويرقصون ويدبكون أيضا.
لعلها المرة الأولى في تأريخ العراق إستنادا إلى متابعاتي أن يقف المثقفون موقف اللامبالاة مما يجري لوطنهم، وكأن الضحية قد تم ذبحها في عيد الأضحى المبارك وبات من الصعب أعادة الرأس إلى الجسد .. أشعر أنا بالمسؤولية الأخلاقية ولكني غير قادر على الفعل. أنا مثل شخص في كابوس، يحاول أن يحرك يده فيشعر أنها مخدرة أو أنها منفصلة عن الجسد وأحاول أن احرك رأسي فأشعر بأنه مشدود إلى أطنان من الحديد وأشعر بأن جسمي كله يتكسر. إستيقظ من كابوسي هذا وأظل "صافنا" وأتجه نحو أداتي التعبيرية السينما وأسأل نفسي لماذا لم أختر الشعر أداة أو اللوحة أداة .. لماذا كانت السينما وهي التي تحتاج إلى مكونات صعبة من المعدات والممثلين والفنيين هي أداتي التعبيرية، ومن أين آتي بأدواتها وأين أضعها وكيف أنقلها من مكان إلى مكان. حسنا قلت لنفسي دعني أعود إلى الماضي وأفكر بتجربتي الأولى عندما أنشأت مؤسسة أفلام اليوم وأصدرت مجلة السينما اليوم وأسست فرقة مسرح اليوم وأبدأ ذات البداية وحتى وأنا في هذا العمر، أن أبدأ من جديد. أنا الآن مواطن يحمل الجنسية الهولندية. أمامي صورة وطن يتدهور ويتبعثر وجمع شتاته ليس سهلا فهو ليس حلما ماركسيا ولا حلما قوميا. وطن لم يعد وطنا، فللوطن حدود ونقاط مراقبة وسفائن بحرية ومراكز شرطة ومقرات بلديات ومؤسسات ثقافة تحكمها نظم وقوانين. وطن أصبح الموت فيه ظاهرة يومية قبل أوانها. جلست وجمعت كل مكونات المجتمع المتدهور ووضعت أمامي مؤسسات الإيذاء وشخوص الإيذاء ونظرت إلى البغايا والمومسات وتطلعت مليا إلى اللصوص وصرت أحسب مقاسات الفم في وجوههم نسبة إلى حجم العيون فيها وإرتفاع الأنف قياسا بالجبهة وحجم الصلع ونسبة الكروش إلى السيقان وطريقة المشي وأسلوب التحدث إلى مقدمي البرامج وراقبت الفاعل والمفعول وحروف الجر والرفع والكسر والفتح ثم نظرت إلى كمية الأقمشة الملفوفة فوق الرؤوس وحسبت الطرابيش وتطلعت إلى أشكال الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة ثم تمعنت جيدا بمجاري المياه الآسنة في شوارع المدن العراقية ونظرت إلى الأطفال اليتامى وتذكرت حسين مردان الذي كتب يوما "إنني لن أحترم العالم وعلى الأرض طفل كسير العينين" .. جمعت كل هؤلاء وحاولت أن أكتب عنهم عسى أن أحول عملي هذا إلى عمل مرئي في صيغة درامية فوجدت نفسي أصطدم بمعركة رد الإيذاء بالإيذاء، فخفت من الوقوع في فخ تصفية الحسابات الشخصية فأخرج من الموضوع وأسقط في الذات، فحذفت الأسماء وغيرت الأمكنة وتلاعبت بالزمن حتى أحول الوطن إلى حالة إفتراضية توصلني لما هو مطلوب إثباته ولو عن طريق رواية سينمائية قد توصلني إلى فيلم سينمائي في نهاية المطاف الصعب.
تذكرت صورتي بالدشداشة قرب دكان والدي على طريق الدوكيار وأنا إستعرض أسماء تشيخوف وسارتر وبوفار وساغان وشابلن وآفا جاردنر وجيمس دين وجنيفر جونز وجوان كراوفورد وقولي "سأتجاوزهم" !
حتى تربح الرهان في رحلة البحر فإنك تحتاج إلى سفينة محكمة البناء إسمها الوطن!

© 2007 kassemhawal.com all rights reserved Designed by nouras.com & Managed by Wesima 5.0